الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
53
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح ، وبقي الفعل المجرد صالحا للإصابة بالشر والخير ، واستعملوا أبلاه مهموز أي إصابة بخير قال ابن قتيبة : « يقال من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاء » . قلت : جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال تعالى : بَلاءً حَسَناً وهو مفعول مطلق لفعل يبلي مؤكد له ، لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن وضمير مِنْهُ عائد إلى اسم الجلالة و ( من ) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون ( من ) للتعليل والسببية . وقوله : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تذييل للكلام و ( إن ) هذا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم ، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم . [ 18 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 18 ] ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) الإشارة ب ذلِكُمْ إلى البلاء الحسن وهذه الإشارة لمجرد تأكيد المقصود من البلاء الحسن وأن ذلك البلاء علة للتوهين . واسم الإشارة يفتتح به الكلام لمقاصد يجمعها التنبيه على أهمية ما يرد بعده كقوله تعالى : هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ ص : 55 ] ويجيء في الكلام الوارد تعليلا كقوله تعالى : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ [ الأنفال : 51 ] . وعليه فاسم الإشارة هنا مبتدأ حذف خبره وعطف عليه جملة : وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ . وقوله : وَأَنَّ اللَّهَ بفتح همزة ( أن ) ، فما بعدها في تأويل مصدر ، مجرور بلام التعليل محذوفة ، والتقدير ولتوهين كيد الكافرين . ويجوز أن تكون الإشارة ب ذلِكُمْ إلى الأمرين ، وهو ما اقتضاه قوله : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] من تعليل الرمي بخذل المشركين وهزمهم وإبلاء المؤمنين البلاء الحسن . وإفراد اسم الإشارة مع كون المشار إليه اثنين على تأويل المشار إليه بالمذكور كما